in

  تيبس الفقرات 

تيبس الفقرات أو ما يُعرف طبيًا بـ “التهاب الفقار اللاصق” أو “التهاب الفقار التصلبي” (Ankylosing Spondylitis)، هو حالة طبية مزمنة ومعقدة، تمس بشكل أساسي العمود الفقري والمفاصل المحيطة به، وتُعد من الأمراض الروماتيزمية الالتهابية التي تؤثر على جودة حياة الملايين حول العالم. يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل شامل ومفصل لهذه الحالة، مع التركيز على الأسباب، وأعراض تيبس الفقرات، والتشخيص، وخيارات علاج تيبس الفقرات المتاحة، ومدى خطورة المرض.

تيبس الفقرات

ما هو تيبس الفقرات؟ 

يُصنف تيبس الفقرات على أنه نوع من التهاب المفاصل المزمن الذي يستهدف مفاصل العمود الفقري (الفقرات) ومفاصل الحوض الكبيرة، وخاصة المفصل العجزي الحرقفي (Sacroiliac joint) الذي يربط قاعدة العمود الفقري بالحوض. الآلية المرضية للمرض تبدأ بالتهاب مزمن يؤدي، مع مرور الوقت، إلى تكوّن عظم جديد في محاولة من الجسم للشفاء. هذا العظم الجديد يملأ الفجوات بين الفقرات، مما يؤدي إلى التحامها وتصلبها. يُشار إلى هذه العملية طبيًا بالتصاق الفقرات (Ankylosis)، حيث يتحول جزء أو كل العمود الفقري إلى عمود صلب وغير مرن، يُشبه في شكله قطعة من الخيزران، ومن هنا جاءت تسميته.

اقرأ أيضاً: التهاب المفاصل

مرض تيبس الفقرات المناعي

يُعد تيبس الفقرات، أو ما يطلق عليه أيضًا مرض تيبس الفقرات المناعي، اضطرابًا مناعيًا ذاتيًا (Autoimmune Disorder). هذا يعني أن الجهاز المناعي، الذي وظيفته محاربة الأجسام الغريبة مثل البكتيريا والفيروسات، يبدأ بمهاجمة الأنسجة السليمة في الجسم، وخاصة مفاصل العمود الفقري والأوتار والأربطة.

سبب تيبس الفقرات

  1. العامل الوراثي (الجيني): يعد وجود الجين HLA-B27 أقوى عامل خطر معروف. بالرغم من أن وجود هذا الجين لا يعني بالضرورة الإصابة، إلا أن غالبية المصابين بهذا المرض يحملونه. هذا الجين يلعب دورًا في استجابة الجهاز المناعي.
  2. العوامل البيئية: يُعتقد أن مزيجًا من العوامل الوراثية والتعرض لعوامل بيئية معينة (ربما عدوى بكتيرية) هو ما يُحفز ظهور المرض لدى الأشخاص المهيئين وراثيًا.
  3. العمر والجنس: يبدأ ظهور الأعراض عادة في أواخر مرحلة المراهقة أو بداية مرحلة البلوغ، بين سن 17 و 45 عامًا. كما أن الرجال أكثر عرضة للإصابة به من النساء، وغالبًا ما تكون الأعراض لديهم أشد.

اعراض تيبس الفقرات

تبدأ أعراض تيبس الفقرات بشكل تدريجي وتتطور على مدى أشهر أو سنوات. تتميز هذه الأعراض بخصائص التهابية محددة تختلف عن آلام الظهر الميكانيكية الشائعة:

  • الألم والتيبس في أسفل الظهر والوركين: هو العرض الأكثر شيوعًا، ويبدأ غالبًا في المفصل العجزي الحرقفي.
  • التيبس الصباحي (Morning Stiffness): يكون الألم والتيبس أسوأ بشكل ملحوظ في الصباح الباكر وبعد فترات طويلة من عدم النشاط أو الراحة. قد يستمر التيبس لساعات.
  • التحسن مع الحركة: على عكس آلام الظهر الميكانيكية، يميل الألم والتيبس المرتبط بتيبس الفقرات إلى التحسن مع النشاط البدني المعتدل والتمارين الرياضية.
  • ألم ليلي: يوقظ الألم المريض من النوم، خاصة في النصف الثاني من الليل.
  • التهاب مفاصل محيطية: قد يؤثر المرض على مفاصل أخرى غير العمود الفقري، مثل الركبتين، والكاحلين، والكتفين.
  • التهاب الأوتار والأربطة (Enthesitis): التهاب مناطق اتصال الأوتار والأربطة بالعظم، وأكثرها شيوعًا هو التهاب وتر العرقوب (Achilles tendon) أو أسفل القدم.
  • أعراض جهازية: الشعور بالتعب والإرهاق المزمن،والحمى الخفيفة، وفقدان الوزن، نتيجة للالتهاب المزمن في الجسم.
  • التهاب القزحية (Uveitis/Iritis): يُعد من المضاعفات الشائعة، وهو التهاب يصيب العين ويسبب الاحمرار والألم والحساسية للضوء.

هل تيبس الفقرات خطير؟ 

سؤال هل تيبس الفقرات خطير؟ إجابته تكمن في مضاعفاته المحتملة إذا لم يتم علاجه والسيطرة عليه بشكل فعال. المرض ليس بالضرورة قاتلاً، ولكن يمكن أن يسبب إعاقة كبيرة ويؤثر على وظيفة الأعضاء الأخرى:

  1. تشوه العمود الفقري (الحداب): في المراحل المتقدمة، يؤدي التحام الفقرات إلى انحناء دائم للعمود الفقري للأمام (حداب أو تقوس)، مما يُصعّب على المريض الرؤية إلى الأمام والتنفس.
  2. كسور الفقرات: يصبح العمود الفقري الملتحم هشًا، مما يزيد من خطر كسور الفقرات حتى مع إصابات طفيفة.
  3. مشاكل في القلب والرئتين: قد يؤدي تيبس القفص الصدري إلى تقييد سعة الرئة وصعوبة التنفس. كما يمكن أن يؤدي الالتهاب إلى مشاكل في صمامات القلب (التهاب الأبهر).
  4. متلازمة ذنب الفرس (Cauda Equina Syndrome): من المضاعفات النادرة والخطيرة الناتجة عن تضيق القناة الشوكية، وتتطلب تدخلًا طبيًا طارئًا.

اقرأ أيضاً: الانزلاق الغضروفي

تشخيص تيبس الفقرات

يعتمد التشخيص على مزيج من التاريخ المرضي للمريض، والفحص البدني، والفحوصات المخبرية والتصويرية:

  1. الفحص البدني: اختبار نطاق حركة العمود الفقري، وخاصة اختبار “شوبر” (Schober’s test) لقياس مرونة أسفل الظهر.
  2. الأشعة السينية (X-rays): للكشف عن علامات التهاب وتآكل في المفاصل العجزية الحرقفية وعلامات التحام الفقرات (“عمود الخيزران”).
  3. التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI): للكشف المبكر عن علامات الالتهاب النشط في المفاصل والأنسجة الرخوة قبل أن تظهر في الأشعة السينية.
  4. تحليل الدم: اختبار جين HLA-B27 وعلامات الالتهاب العامة مثل سرعة ترسب كريات الدم الحمراء (ESR) والبروتين المتفاعل C (CRP).

علاج تيبس الفقرات المناعي

الهدف من علاج تيبس الفقرات هو السيطرة على الالتهاب والألم، وتقليل التيبس، ومنع أو إبطاء تطور التلف الهيكلي والتشوه، والحفاظ على مرونة العمود الفقري ووظيفته.

1. العلاج الدوائي: حجر الزاوية في علاج تيبس الفقرات المناعي

  • مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs): تُعد الخط الأول للعلاج. وهي فعالة في تخفيف الألم والتيبس وتقليل الالتهاب.
  • مضادات الروماتيزم المعدلة لسير المرض التقليدية (DMARDs): مثل السلفاسالازين والميثوتريكسات، وتستخدم غالبًا لعلاج التهاب المفاصل المحيطية، ولكنها أقل فعالية في علاج التهاب العمود الفقري نفسه.
  • العلاج البيولوجي (Biologics): تُعد ثورة في علاج تيبس الفقرات المناعي. وهي أدوية تستهدف مسارات محددة في الجهاز المناعي، مثل حاصرات عامل نخر الورم ألفا (TNF Inhibitors) ومثبطات إنترلوكين 17 (IL-17 Inhibitors). وقد أثبتت فعاليتها في إبطاء تقدم المرض والسيطرة على الالتهاب بشكل كبير.

2. العلاج الطبيعي والتأهيل:

  • التمارين الرياضية: تُعتبر التمارين المنتظمة عنصرًا حيويًا. تهدف إلى الحفاظ على نطاق الحركة، وتقوية عضلات الظهر والبطن، وتحسين وضعية الجسم. وتشمل السباحة والتمارين الهوائية الخفيفة وتمارين الإطالة.
  • العلاج الوضعي: التدريب على الحفاظ على وضعية مستقيمة لتجنب التقوس الأمامي.
  • العلاج المهني: للمساعدة في تكييف الأنشطة اليومية مع قيود الحركة.

3. التدخل الجراحي:

يُستخدم في حالات نادرة وشديدة، مثل:

  • جراحة استبدال المفاصل: خاصة مفصل الورك، في حال تضرره الشديد.
  • جراحة تقويم العمود الفقري: لتصحيح التشوهات الحادة (الحداب) التي تعيق الرؤية أوالتنفس.

اقرأ أيضاً: الخشونة… إليك 8 معلومات هامة عنها

علاج تيبس الفقرات بالأعشاب 

لا يوجد دليل علمي موثوق به يثبت أن أي عشب أو مكمل غذائي يمكن أن يعالج تيبس الفقرات أو يوقف تطوره بشكل مستقل عن العلاج الطبي الموصوف.

يمكن أن تكون بعض الأعشاب والمكملات مفيدة كعلاج تكميلي للمساعدة في تخفيف الأعراض أو دعم الصحة العامة، ولكن يجب استشارة الطبيب دائمًا قبل تناولها لتجنب التفاعلات الدوائية الخطيرة. ومن الأمثلة على المكملات التي قد تساعد:

  • أوميغا 3 (زيت السمك): له خصائص مضادة للالتهاب قد تساعد في تخفيف الألم والتيبس.
  • الكركمين (من الكركم): مضاد طبيعي للالتهاب.
  • فيتامين د: يرتبط نقص فيتامين د بزيادة خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية، وقد يكون مهمًا لدعم صحة العظام.

العيش مع تيبس الفقرات

تيبس الفقرات هو تحدٍ مزمن، ولكنه لم يعد يعني بالضرورة إعاقة مدى الحياة. الإدارة الناجحة للمرض تعتمد على الالتزام بالعلاج الدوائي، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام، والحفاظ على وضعية جسم سليمة، والمتابعة الدورية مع طبيب الروماتيزم. الوعي، والتدخل المبكر، واتخاذ نمط حياة صحي هما مفتاح التعايش المنتج والإيجابي مع هذا المرض.

:References 

 https://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/ankylosing-spondylitis/symptoms-causes/syc-20354808

https://www.nhs.uk/conditions/ankylosing-spondylitis/

https://www.arthritis.org/diseases/ankylosing

spondylitishttps://medlineplus.gov/ency/article/000420.htm

What do you think?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

GIPHY App Key not set. Please check settings

فقر الدم

الصداع وأنواعه وعلاجه وأهم 4 طرق للوقاية منه