اضطرابات الدورة الشهرية: الأسباب، والأنواع، وطرق التشخيص والعلاج
اكتشفي كل ما يخص اضطرابات الدورة الشهرية، وأسباب عدم انتظامها، ومتى تستدعي الحالة زيارة الطبيب. دليل طبي شامل يساعدك على فهم جسدك والحفاظ على صحتك الهرمونية.
تُعتبر الدورة الشهرية بمثابة “مرآة الصحة الهرمونية” لكل امرأة وفتاة. عندما تسير الدورة بانتظام، فإنها تعطي إشارة إيجابية إلى أن الجسم يعمل بتناغم، وأن الهرمونات والرحم والمبايض في حالة جيدة. ومع ذلك، يعاني الكثير من النساء في مراحل عمرية مختلفة تغيرات واضطرابات في الموعد أو الكمية أو الأعراض المصاحبة للحيض.
تُسبب اضطرابات الدورة الشهرية الكثير من القلق والحيرة، وتطرح السيدات آلاف الأسئلة يومياً حول طبيعة هذه التغيرات وهل تُعد أمراً عابراً أم تستدعي التدخل الطبي. في هذا الدليل، سنأخذكِ في جولة طبية مبسطة لمعرفة كل ما يدور حول هذا الموضوع الشائع.
أولاً: ما هي الدورة الشهرية الطبيعية؟
قبل الحديث عن عدم الانتظام أو الاضطراب، لا بد أولاً من فهم ما يُعتبر “طبيعياً” في عالم النساء والتوليد. يختلف جسد كل امرأة عن الأخرى، ولكن هناك معايير عامة يُقاس عليها مدى انتظام الحيض:
* طول الدورة الشهرية: تُحسب من اليوم الأول لنزول الدم في الدورة الأولى، وحتى اليوم الأول لنزول الدم في الدورة التالية. المتوسط الطبيعي هو 28 يوماً، ولكن يُعد أي معدل بين 21 إلى 35 يوماً طبيعياً تماماً حسب المرحلة العمرية.
* مدة النزيف: تتراوح مدة نزول الدم الطبيعية بين 3 إلى 7 أيام.
إذا خرجت الدورة عن هذه المعدلات بشكل متكرر، فإننا نكون أمام أحد أشكال اضطرابات الدورة الشهرية.
ثانياً: أشهر أنواع اضطرابات الدورة الشهرية
لا تأتي اضطرابات الحيض بالشكل نفسه دائماً، بل تختلف مظاهرها بحسب المشكلة الأساسية. ومن أبرز هذه الأنواع:
1. تأخر أو انقطاع الدورة (Amenorrhea)
وينقسم إلى نوعين:
* انقطاع أولي: ألا تبدأ الدورة الشهرية مطلقاً لدى الفتاة حتى سن 15 عاماً.
* انقطاع ثانوي: اختفاء الدورة الشهرية لدى امرأة كانت دورتها منتظمة سابقاً لمدة 3 أشهر متتالية أو أكثر (بعد استبعاد الحمل).
2. غزارة الطمث (Menorrhagia)
تتمثل في نزيف حاد جداً يستمر لأكثر من 7 أيام، أو يتطلب تغيير الفوطة الصحية كل ساعة أو ساعتين لعدة ساعات متواصلة، وقد يرافقه نزول تجلطات دموية كبيرة حجمها أكبر من حجم العملة المعدنية.
3. قلة الطمث أو تباعد الفترات (Oligomenorrhea)
حالة تأتي فيها الدورة الشهرية على فترات متباعدة جداً، أي أن المسافة بين الدورة والأخرى تتجاوز 35 يوماً، وبالتالي ينزل الحيض أقل من 6 إلى 8 مرات فقط في السنة.
4. عسر الطمث وآلام الحيض الشديدة (Dysmenorrhea)
التقلصات أمر شائع، ولكن عسر الطمث يعني آلاماً ومغصاً حاداً يمتد لأسفل الظهر والحيض بشكل يعوق المرأة عن ممارسة حياتها اليومية أو العمل، ولا يستجيب بسهولة للمسكنات البسيطة.
5. النزيف بين الدورتين (Abnormal uterine bleeding)
نزول قطرات من الدم أو نزيف خفيف في غير موعد الدورة الشهرية المتوقع، كأن يحدث في منتصف الشهر أو بعد الجماع.
ثالثاً: ما هي أسباب اضطرابات الدورة الشهرية؟
تتعدد الأسباب وتتنوع بين خلل هرموني، عوامل عضوية بالرحم والمبايض، أو حتى العادات اليومية والحالة النفسية.
أسباب اضطرابات الدورة الشهرية
أ. الأسباب الهرمونية:
* متلازمة تكيس المبايض (PCOS): وهي السبب الأكثر انتشاراً بين السيدات والفتيات، حيث تتسبب في عدم انتظام التبويض وزيادة هرمونات الذكورة، مما يؤدي لتأخر الدورة أو انقطاعها.
* اضطرابات الغدة الدرقية: الغدة الدرقية هي المايسترو المحرك للأيض والهرمونات؛ خمولها أو زيادة نشاطها تؤثر مباشرة على غزارة أو انتظام الدورة.
* ارتفاع هرمون الحليب (البرولاكتين): يؤثر ارتفاعه في الدم على إفراز هرمونات التبويض، مما يتسبب في تأخر الدورة أو توقفها.
* اقتراب سن اليأس (Perimenopause): في التغيرات التمهيدية لسن انقطاع الحيض (عادة في أواخر الأربعينات)، تبدأ الهرمونات بالتقلّب والتذبذب.
* استخدام بعض وسائل منع الحمل الهرمونية
ب. الأسباب العضوية والتركيبية:
* الألياف الرحمية (Uterine Fibroids): أورام حميدة في جدار الرحم تسبب غالباً غزارة شديدة في النزيف وطول مدة الحيض.
* بطانة الرحم المهاجرة (Endometriosis): تنمو فيها نسج بطانة الرحم خارج مكانها الطبيعي، وتسبب آلاماً حادة أثناء الدورة ونزيفاً غير منتظم.
* اللحميات (Polyps): زوائد حميدة تنمو في بطانة الرحم أو عنق الرحم وتؤدي لنزول دم بين الدورتين.
جـ. أسلوب الحياة والتغذية:
* الضغط النفسي والتوتر: الضغوط اليومية تحفز إفراز هرمون الكورتيزول، الذي يربك الإشارات الصادرة من الدماغ للتحكم في المبايض.
* خسارة أو زيادة الوزن المفاجئة: النقص الشديد في الدهون يوقف التبويض تماماً، والزيادة المفرطة ترفع مستويات إستروجين الجسم.
* التمارين الرياضية القاسية: التدريبات العنيفة جداً تؤدي أحياناً لاختفاء الدورة لدى بعض النساء.
رابعاً: جدول مقايسة بين الدورة الطبيعية والاضطراب
| وجه المقارنة | الدورة الطبيعية | اضطرابات الدورة |
| المدة بين الدورتين | 21 – 35 يوماً | أقل من 21 يوماً أو أكثر من 35 يوماً |
| عدد أيام النزيف | 3 – 7 أيام | أقل من يومين أو أكثر من 8 أيام |
| شدة الألم | مغص محتمل يزول بالمسكن البسيط | ألم حاد يعوق الحركة اليومية |
| تغيير الفوط الصحية | كل 3 إلى 6 ساعات | كل ساعة إلى ساعتين |
خامساً: متى تكون اضطرابات الدورة تدعو للقلق؟
رغم أن الكثير من الاضطرابات تكون نتيجة أسباب بسيطة أو توتر عابر، إلا أن هناك علامات استثنائية تتطلب الاستشارة الطبية العاجلة دون تأخير:
* غياب الحيض تماماً لأكثر من 3 أشهر (مع التأكد من عدم وجود حمل).
* حدوث نزيف غزير ومستمر يؤدي لشحوب الوجه والدوخة أو الإغماء (أعراض الأنيميا الحادة).
* نزول دم حيض أو نزيف بعد سن انقطاع الحيض.
* ارتفاع درجة الحرارة أو خروج إفرازات ذات رائحة كريهة أثناء أو بعد الدورة.
* نزول دم في غير موعد الدورة بصفة مستمرة أو بعد ممارسة العلاقة الزوجية.
سادساً: كيف يتم التشخيص والعلاج؟
يعتمد العلاج دائماً على التشخيص الدقيق ومعرفة المسبب الرئيسي، ولا يوجد علاج موحد لجميع الحالات.
1. خطة التشخيص الطبي:
* الفحص السريري والسونار (Ultrasound): للاطمئنان على سلامة الرحم والمبايض والتأكد من عدم وجود أكياس أو تليفات.
* تحاليل الدم والهرمونات: فحص هرمونات التبويض (FSH, LH)، هرمون الحليب، وظائف الغدة الدرقية، ومخزون المبايض عند الحاجة حسب كل حالة.
2. طرق العلاج المتاحة:
* العلاج الدوائي: استخدام حبوب تنظيم الهرمونات، أو أدوية علاج تكيس المبايض، أو تنظيم هرمون الغدة الدرقية.
* تعديل نمط الحياة:
* ممارسة الرياضة المعتدلة بانتظام.
* خفض الوزن الزائد بطريقة صحية لتعديل مقاومة الأنسولين وتنشيط المبايض.
* الحرص على النوم المنتظم وتقليل التوتر قدر الإمكان.
* تناول أغذية غنية بالحديد والألياف وتجنب السكريات المعالجة.
أسئلة شائعة حول اضطرابات الدورة الشهرية (FAQ)
س: هل نزول الدورة مرتين في الشهر أمراً طبيعياً؟
جـ: إذا حدث الأمر مرة واحدة بشكل عابر نتيجة توتر أو تغيير في المواعيد فقد يكون مقبولاً، أما إذا تكرر نزولها كل أسبوعين فيجب مراجعة الطبيب لمعرفة ما إذا كان هناك خلل في التبويض أو لحميات رحمية.
س: هل يؤثر عدم انتظام الدورة الشهرية على القدرة على الإنجاب؟
جـ: عدم الانتظام غالباً ما يعني عدم انتظام عملية التبويض أو غيابها، وهو ما يعوق التخطيط للحمل. لكن بمجرد تنظيم الدورة مع الطبيب المعالج تعود فرص الحمل لشكلها الطبيعي.
س: هل استخدام المسكنات القوية أثناء الدورة خطير؟
جـ: المسكنات المعتمدة (مثل مضادات التهاب غير الستيرويدية) آمنة إذا أُخذت بجرعات محددة وبصورة مؤقتة، ولكن الاعتماد المفرط عليها دون معرفة سبب الألم الشديد ليس حل للمشكلة.
خاتمة المقال
في ختام هذا الدليل، نتذكر دائماً أن اضطرابات الدورة الشهرية هي طريقة يستجيب بها جسدك ليخبركِ بوجود خلل ما يحتاج إلى الاهتمام والعناية. لا تترددي في استشارة الطبيب المختص لإجراء الفحوصات الدورية، وتذكري أن التشخيص المبكر والالتزام بنمط حياة صحي هما المفتاح الأساسي للتمتع بصحة هرمونية متوازنة وحياة مريحة.
د هبه سعيد العزازي أخصائية النساء والتوليد
المصادر
https://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/menorrhagia/symptoms-causes/syc-20352829
https://my.clevelandclinic.org/health/diseases/17734-menorrhagia-heavy-menstrual-bleeding
https://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/endometriosis/symptoms-causes/syc-20354656


GIPHY App Key not set. Please check settings