
مقدمه
يعد فيروس هانتا من الأمراض المعدية الفيروسية النادرة لكنها شديدة الخطورة، إذ يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تصيب الرئتين أو الكلى وقد تصل إلى الوفاة في بعض الحالات. وقد عاد المرض إلى دائرة الاهتمام عالميًا بعد تسجيل حالات متفرقة في عدة دول خلال السنوات الأخيرة، مما أثار تساؤلات كثيرة حول طبيعة الفيروس وطرق انتقاله وأعراضه وكيفية الوقاية منه.
تعتبر الأمراض المعدية التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان من أبرز التحديات التي تواجه الصحة العامة عالمياً. ومن بين هذه التهديدات يبرز فيروس هانتا (Hantavirus) كواحد من الفيروسات الخطيرة التي تتطلب وعياً طبياً دقيقاً واستعداداً وقائياً مستمراً.
ما هو فيروس هانتا؟
فيروس هانتا هو مجموعة من الفيروسات ينتمى إلى عائلة بونى فيريديا (Bunyaviridae) التي تحملها القوارض بشكل رئيسي، خاصة الفئران والجرذان، وتنتقل إلى الإنسان وتسبب أمراضاً متفاوتة الخطورة.
سُمي الفيروس بهذا الاسم نسبة إلى نهر في كوريا الجنوبية، حيث تم عزل الفيروس واكتشافه لأول مرة خلال الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي عندما أصيب آلاف الجنود بحمى غامضة.
يؤدي التعرض لـ فيروس هانتا إلى الإصابة بهذه الأمراض:
- متلازمة هانتا الرئوية (HPS). التي تؤثر على الرئتين، تنتشرغالباً في الأمريكتين (الشمالية والجنوبية). وتعتبر شديدة الخطورة حيث تهاجم الجهاز التنفسي بشكل حاد.
- متلازمة كلوية (HFRS) والحمى النزفية المصحوبة، تنتشر هذه المتلازمة بشكل رئيسي في أوروبا وآسيا، وتؤثر بشكل أساسي على وظائف الكلى والأوعية الدموية.
اقرأ أيضاً: الفشل الكلوي

كيف تنتقل عدوى فيروس هانتا إلى الإنسان؟
الناقل الأساسي والوحيد لـ فيروس هانتا في الطبيعة هو القوارض البرية، وتحديداً بعض أنواع الفئران والجرذان، مثل فأر الغزلان. الجدير بالذكر طبياً أن القوارض المصابة لا تظهر عليها أي علامات للمرض أو الإعياء، لكنها تكون بمثابة مستودع حيوي يفرز الفيروس في بيئتها طوال حياتها. تحدث العدوى وتنتقل إلى البشر من خلال الطرق التالية:
- استنشاق الرذاذ الملوث (العدوى المحمولة جواً): وهي الطريقة الأكثر شيوعاً وخطورة. عندما تجف فضلات القوارض أو بولها أو لعابها، تتطاير جزيئات الفيروس في الهواء، وعندما يستنشقها الإنسان في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية، تدخل مباشرة إلى الجهاز التنفسي.
- اللمس المباشر: لمس فضلات القوارض، أو الأسطح الملوثة بها، أو أعشاشها، ثم لمس العين أو الأنف أو الفم قبل غسل اليدين جيداً.
- التعرض للعض: التعرض لعضة مباشرة من قارض مصاب، وهي حالة نادرة الحدوث مقارنة بالاستنشاق.
- تناول طعام ملوث بإفرازات القوارض.
تزداد فرص العدوى في الأماكن المغلقة سيئة التهوية مثل:
- المخازن.
- الأكواخ المهجورة.
- الحظائر.
- أماكن تجمع القوارض.
• العدوى من إنسان لآخر: كقاعدة طبية عامة، لا ينتقل فيروس هانتا من إنسان إلى آخر. الاستثناء الطبي الوحيد المسجل هو سلالة نادرة تُعرف باسم “فيروس الأنديز” (Andes virus) في أمريكا الجنوبية، حيث تم توثيق حالات قليلة للانتقال العدوى بين أفراد الأسرة الواحدة أو مقدمي الرعاية الصحية.
أعراض فيروس هانتا
تختلف أعراض فيروس هانتا باختلاف نوع المتلازمة التي يسببها. تتراوح فترة الحضانة (الفترة من التعرض للفيروس وحتى ظهور الأعراض) عادةً بين أسبوع إلى ثمانية أسابيع.
- في حالة متلازمة فيروس هانتا الرئوية، تنقسم الأعراض سريرياً إلى مرحلتين:
1. المرحلة المبكرة.
تتشابه هذه المرحلة بشكل خادع مع أعراض الإنفلونزا الموسمية أو عدوى مرض فيروس كورونا المستجد (كوفديد-19)، تستمر من ثلاثة إلى خمسة أيام، وتشمل:
• حمى مفاجئة وقشعريرة.
• آلام عضلية شديدة، تتركز غالباً في العضلات الكبيرة مثل الفخذين، والظهر، والكتفين.
• إعياء وتعب عام مجهد.
• قد تظهر أعراض أخرى لدى بعض المرضى مثل: الصداع ودوار، وغثيان، وقيء، وآلام حادة في البطن.
2. المرحلة المتأخرة (القلبية التنفسية).
بعد مرور أربعة إلى عشرة أيام من الأعراض الأولية، يهاجم فيروس هانتا الشعيرات الدموية في الرئتين بضراوة، مما يؤدي إلى زيادة نفاذيتها وتسرب السوائل بكثافة إلى الحويصلات الهوائية (وذمة رئوية غير قلبية المنشأ).
تشمل الأعراض في هذه المرحلة الحرجة:
• سعال جاف مستمر.
• ضيق شديد ومتسارع في التنفس (يشعر المريض وكأن هناك شريطاً يلتف حول صدره).
• انخفاض حاد في ضغط الدم، مما قد يؤدي إلى صدمة قلبية.
• تدهور سريع في وظائف القلب والرئتين قد يؤدي إلى الوفاة إذا لم يتم التدخل الطبي الفوري في وحدة العناية المركزة.
- في حالة متلازمة كلوية (HFRS) والحمى النزفية المصحوبة وتشمل الأعراض:
الأعراض المبكرة
تبدأ الأعراض غالبًا بشكل مفاجئ وتشمل:
- ارتفاع شديد في درجة الحرارة.
- صداع قوي.
- آلام العضلات والمفاصل.
- ألم أسفل الظهر.
- الإرهاق والتعب الشديد.
- فقدان الشهية.
- الغثيان والقيء.
- تشوش الرؤية أحيانًا.
الأعراض المتقدمة
- انخفاض ضغط الدم.
- نزيف تحت الجلد أو نزيف من الأنف واللثة.
- احمرار الوجه والعينين.
- قلة كمية البول.
- تورم الجسم بسبب احتباس السوائل.
- ارتفاع وظائف الكلى.
- فشل كلوي حاد.
اقرأ أيضا: الالتهاب الرئوي

تشخيص فيروس هانتا
يمثل تشخيص فيروس هانتا في مراحله المبكرة تحدياً طبياً كبيراً نظراً لتشابه أعراضه مع أمراض فيروسية أخرى شائعة. يعتمد الأطباء في التشخيص المبدئي على:
- أخذ تاريخ مرضي دقيق من المريض لمعرفة مدى احتمالية التعرض للقوارض في الأسابيع الماضية.
- إجراء تحاليل دم متخصصة للكشف عن الأجسام المضادة للفيروس (IgM وIgG) أو باستخدام تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) للكشف عن المادة الوراثية للفيروس.
- تحليل وظائف الكلى
علاج فيروس هانتا
حتى وقتنا الحاضر، لا يوجد علاج دوائي مضاد للفيروسات مخصص للقضاء على فيروس هانتا، كما لا يوجد لقاح معتمد عالمياً للوقاية منه. لذلك، يتركز علاج فيروس هانتا على:
- الرعاية الطبية الداعمة والمكثفة وتشمل الراحة والترطيب وعلاج الأعراض.
- يتم نقل المريض فوراً إلى العناية المركزة، ووضعه على أجهزة التنفس الصناعي لإعطائه الأكسجين اللازم وتخفيف العبء عن الرئتين.
- إدارة سوائل الجسم بدقة للحفاظ على ضغط الدم ومساعدة الجهاز المناعي على التغلب على العدوى الفيروسية.
- يُسبب متلازمة نقص الأكسجين الرئوية صعوبة في التنفس، وقد يحتاج المرضى إلى دعم تنفسي، هو إجراء طبي يتم فيه إدخال أنبوب في الرئتين من الفم لمساعدة المريض على الحصول على الأكسجين.
- في حالة مرض الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة الكلى تحليل وظائف الكلى. وقد يحتاج المرضى المصابون بهذا المرض إلى غسيل الكلى لإزالة السموم من الدم والحفاظ على توازن السوائل في الجسم عندما لا تعمل الكلى بشكل جيد.
- مضادات الفيروسات.
اقرأ أيضا: العدوى الفيروسية.
الوقاية من فيروس هانتا
بما أن التدخلات الدوائية المباشرة غير متاحة، فإن تعزيز جهاز المناعة والوقاية من الفيروسات المعتمدة على مكافحة القوارض وإدارة البيئة المحيطة هي خط الدفاع الأول والأهم. ولحماية نفسك وأسرتك والمجتمع المحيط من خطر فيروس هانتا، يجب الالتزام بالمعايير الوقائية التالية:
• الإغلاق المحكم وسد المنافذ.
• حفظ الأطعمة والنظافة المستمرة.
• التخلص الآمن من القوارض.
• بروتوكول التنظيف الآمن (هام جداً):
يُمنع كنس الفضلات الجافة بالمكنسة العادية أو الكهربائية لتجنب إثارة الغبار الفيروسي. بدلاً من ذلك، يجب تهوية المكان جيداً لمدة 30 دقيقة قبل الدخول، وارتداء قفازات مطاطية وكمامة عالية الكفاءة (N95). يجب رش المنطقة بالكامل بمحلول مبيض (مثل الكلور المخفف بالماء بنسبة 1:10) وتركه لعدة دقائق لقتل الفيروس، ثم مسح المنطقة بعناية باستخدام مناشف ورقية والتخلص منها في أكياس محكمة الغلق.
الخلاصة
يُصنف فيروس هانتا ضمن الأمراض المعدية الخطيرة التي تتطلب تعاملاً حذراً ومسؤولية مجتمعية تجاه قواعد النظافة والصحة العامة.
References
- https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/hantavirus
- Centers for Disease Control and Prevention (CDC) – Hantavirus Information
- Mayo Clinic – Hantavirus pulmonary syndrome: Symptoms and causes
- https://www.cdc.gov/hantavirus/hcp/clinical-overview/hfrs.html



GIPHY App Key not set. Please check settings