
تُعد الغدة النخامية الغدة الرئيسية في الجسم، حيث تقع في قاعدة الدماغ، وتُعرف ب “سيدة الغدد الصماء” أو المايسترو لأنها تُوجه أداء باقي غدد الجسم، وتلعب دوراً محورياً في تنظيم العديد من العمليات الحيوية، إذ تقوم بإفراز هرمونات تحفز وظائف الجسم الأساسية. ونظراً لزيادة حجمها وحاجتها الأيضية العالية أثناء فترة الحمل، تصبح هذه الغدة عرضة للإصابة بشكل خاص.
ومن هنا تأتي متلازمة شيهان (Sheehan syndrome) التي سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى “هارولد ليمينغ شيهان” الذي وصفها لأول مرة عام 1937 كحالة نادرة وخطيرة تُعرف أيضاً بـ قصور النخامية التالي للولادة.
أسباب متلازمة شيهان
تحدث هذه المتلازمة نتيجة فقدان الأم كميات كبيرة من الدم أثناء الولادة، أو التعرض لهبوط حاد في ضغط الدم أثناء الولادة يسبب نقصاً في التروية الدموية للغدة النخامية. هذا الحرمان من الأكسجين يُسبب تلفاً (نخراً) بسبب نقص التروية مما يُؤدي إلى موت أجزاء منها، وفقدان قدرتها على إنتاج الهرمونات الضرورية للجسم، ورغم خطورة هذه الحالة، إلا أنها يمكن علاجها طبياً باستخدام الأدوية المناسبة.
التأثير الهرموني لمتلازمة شيهان على الجسم
بما أن الغدة النخامية تعمل كمركز تحكم يوجه باقي غدد الجسم، فإن تضررها يعني توقفها عن إرسال التعليمات الصحيحة. هذا النقص يؤدي إلى اختلال في إنتاج الهرمونات الأساسية، وهي:
- هرمون الكورتيزول.
- هرمونات الغدة الدرقية.
- هرمون النمو.
- هرمونات الخصوبة.
- هرمون البرولاكتين المسؤول المباشر عن إنتاج حليب الثدي بعد الولادة.
اقرأ أيضا: تضخم الغدة الدرقية وأنواعه.
أعراض متلازمة شيهان
تتنوع أعراض متلازمة شيهان في وقت ظهورها، فقد تظهر مباشرة بعد الولادة، أو تتطور بشكل تدريجي وبطيء على مدار شهور أو سنوات. ويمكن تقسيم هذه الأعراض إلى أربعة أقسام رئيسية:
1. أعراض مرتبطة بالخصوبة والرضاعة
- عدم القدرة على إدرار الحليب أو صعوبة في الرضاعة الطبيعية.
- انقطاع الدورة أو عدم انتظامها.
- جفاف وترقق جدران المهبل (ضمور المهبل)، مما يسبب ألماً أثناء العلاقة الزوجية.
- انكماش حجم الثديين وانخفاض الرغبة الجنسية.
2. علامات جسدية عامة
- الشعور بالتعب الدائم ونقص حاد في الطاقة.
- جفاف الجلد وتساقط شعر الجسم مثل شعر الإبط والعانة.
- انخفاض مستمر في مستوى ضغط الدم.
3. أعراض ذهنية مثل صعوبة في التركيز والانتباه.
4. حالة الطوارئ
في بعض الأحيان، لا تظهر الأعراض بوضوح إلا عند تعرض الجسم لضغط شديد (مثل إجراء جراحة، أو الإصابة بعدوى قوية). في هذه الحالة، يفشل الجسم في إفراز هرمون الكورتيزول اللازم لمواجهة هذا الضغط. تُسمى هذه الحالة أزمة الغدة الكظرية، وهي حالة طبية طارئة تتطلب تدخلاً فورياً.
و نظراً لأن هذه الأعراض قد تبدو عامة أو غير محددة في البداية، فغالباً ما يتأخر اكتشاف الحالة، لذا يُنصح دائماً بمراجعة الطبيب عند الشعور بأي تغيرات غير مبررة بعد الولادة.
اقرأ أيضا: متلازمة كوشينج: الأسباب والأعراض والعلاج.
العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بمتلازمة شيهان
تزداد احتمالية الإصابة بمتلازمة شيهان لوجود عدة عوامل، أهمها:
- النزيف الحاد: هو السبب الأكثر شيوعاً، خاصة إذا لم يتم تعويض هذا الدم بسرعة.
- صعوبات الولادة: كالولادة المتعسرة أو في حالات الولادات المتكررة.
- اختلافات تشريحية: مثل اختلافات في شكل الجمجمة أو في توزيع الأوعية الدموية المغذية للغدة النخامية.
- نقص الرعاية الطبية: عدم توافر رعاية طبية متخصصة في حالة الطوارئ، أو تأخر الوصول للمستشفى.
اقرأ أيضا: متلازمة ماقبل الحيض، الأعراض، والأسباب، والعلاج.
مدى انتشار متلازمة شيهان
بفضل التطور الكبير في الرعاية الطبية أثناء الولادة، أصبحت الإصابة بمتلازمة شيهان نادرة جداً في الدول المتقدمة، حيث تحدث بمعدل (5 حالات لكل 100,000 ولادة)، بينما تظل تشكل تحدياً صحياً في دول العالم الثالث التي تفتقر للخدمات الصحية المتطورة.
فبينما تُمثل متلازمة شيهان حوالي 3% فقط من حالات قصور الغدة النخامية في الدول المتقدمة، ترتفع هذه النسبة لتصل إلى 30% في المناطق النامية. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى:
- ارتفاع معدلات الولادة المنزلية.
- صعوبة للمستشفيات في حالات الطوارئ.
- نقص الوعي الطبي.
كيف يتم تشخيص متلازمة شيهان؟
لأن أعراض متلازمة شيهان قد تتداخل مع مشكلات صحية أخرى، يعتمد الأطباء على ثلاث خطوات أساسية للوصول إلى التشخيص الصحيح:
- مراجعة التاريخ الطبي: لمعرفة تفاصيل الولادة، والمضاعفات التي حدثت أثناءها والأعراض التي تلتها.
- تحاليل الدم: هي الجزء الأهم في التشخيص، حيث يتم قياس مستوى الهرمونات في الدم مثل هرمونات الغدة الدرقية، والغدة الكظرية، والهرمونات الجنسية.
- الأشعة والفحوصات التصويرية: يُستخدم الرنين المغناطيسي (MRI)، وهو أدق وسيلة للتأكد من وجود تلف في أنسجة الغدة واستبعاد وجود أي أورام.
علاج متلازمة شيهان والتعايش معها
يعتمد العلاج الأساسي لمتلازمة شيهان على التعويض الدائم للهرمونات التي لم يعد الجسم قادراً على إنتاجها، وذلك لاستعادة التوازن الحيوي، يكون تحت إشراف طبيب غدد صماء متخصص، ويشمل:
- الهيدروكورتيزون لتعويض نقص هرمون الكورتيزول للحفاظ على ضغط الدم ومساعدة الجسم في مواجهة الضغوط اليومية.
- ليفوثيروكسين بشكل يومي لتعويض نقص هرمونات الغدة الدرقية لتنظيم طاقة الجسم.
- الهرمونات الأنثوية: يتم تعويضها عبر أقراص أو جل أو لاصقات جلدية لتنظيم الدورة الشهرية حتى الوصول لسن اليأس.
- حقن هرمون النمو: للحفاظ على صحة العظام وقوة العضلات.
نصائح للتعايش مع الحالة:
بما أن العلاج غالباً ما يكون مدى الحياة، فهناك خطوات بسيطة لضمان السلامة:
- يجب تعلم متى وكيف يتم زيادة جرعة الكورتيزول أثناء المرض، وذلك تحت إشراف الطبيب.
- ضرورة حمل بطاقة تعريفية توضح أن المريضة تتناول علاجات هرمونية، فهذا يساعد في حالات الطوارئ.
هل يمكن الوقاية من متلازمة شيهان؟
تعتمد الوقاية من هذه الحالة كلياً على جودة الرعاية الصحية أثناء الولادة، حيث يُعد التدخل الطبي السريع والفعال للسيطرة على النزيف الحاد هو الوسيلة الأساسية لمنع فقدان الدم الذي قد يؤدي إلى تلف الغدة النخامية. ونظراً لأنه لا يمكن منع المتلازمة بمجرد وقوع النزيف الحاد بالفعل، فإن الوقاية الحقيقية تكمن في توفير الرعاية الطبية اللازمة التي تمنع النزيف من الأساس أو تعالجه فور حدوثه.
المصادر
https://my.clevelandclinic.org/health/diseases/24173-sheehan-syndrome
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2949918625000877
https://www.healthline.com/health/sheehan-syndrome#causes-and-risk-factors
https://maternalpituitarysupport.org/sheehans-syndrome-explained


GIPHY App Key not set. Please check settings